لندن – تتفاقم أزمة الصحافة المطبوعة حول العالم مع تقلص عدد القراء وتزايد المصاعب المالية، إلا أن هذا الموت البطيء للصحف يبدو واضحا وجليا في الولايات المتحدة أكثر من أي بلد آخر، كما لو أنه سرطان يستشري في الجسم الإعلامي دون أن يستطيع أحد وقفه، وفق ما وصفه إريك ألترمان، المحلل والخبير الإعلامي الأميركي.

ويقول مركز الأبحاث “بيو سيرش سينتر”، إن عدد قراء الصحف اليومية هبط بنسبة 7 بالمئة في العام الماضي، ولم يقتصر التراجع على قراء النسخ المطبوعة بل شمل متصفحي الإنترنت، كما سجل في العام الماضي أسوأ الأرقام في عائدات الصحف من الإعلانات منذ العام 2008، بحسب تقرير مركز “بيو”.

ومن جهتها ترى آمي ميتشيل، مديرة بحوث الصحافة بالمركز في مقابلة مع “هارفارد بوليتيكال ريفيو”، أن “عجز الصحافة التقليدية عن فهم الطريقة التي يستخدم بها الناس الفضاء الرقمي (الإنترنت) وكيفية انتشار المحتوى عبر الشبكة، هو التحدي الأكبر الذي تواجهه الصحافة التقليدية”.

وطال النزيف الحاد في إيرادات الإعلانات الكثير من الصحف الأميركية، مما اضطر صحفا عريقة مثل “وول ستريت جورنال” و”نيويورك تايمز” و”يو اس اي توداي”، للجوء إلى تسريح الموظفين، في إجراء قاس ذهب ضحيته كبار الصحافيين والإعلاميين بسبب ارتفاع أجورهم.

وورن بوفت: على الصحافة أن تزود القراء بمحتوى لا يمكنهم الحصول عليه من أي مكان آخر
وورن بوفت: على الصحافة أن تزود القراء بمحتوى لا يمكنهم الحصول عليه من أي مكان آخر

ويرى خبراء الإنترنت أن التطور التكنولوجي الذي يمكّن المعلنين من معرفة المردود المالي بدقة لكل إعلان على الإنترنت، هو السبب وراء عدم قدرة الصحف العريقة على المنافسة في هذا المجال. وتبين الدراسات أن الصحافة الأميركية خسرت بين عامي 2000 و2007 ما قيمته خمسة مليار دولار فقط في مجال الإعلانات المبوبة، وبسبب “كريغ ليست”، موقع الإعلانات المبوبة المجاني الشهير، لم يعد المعلنون مستعدين لدفع المبالغ الكبيرة التي كانوا يدفعوها في الماضي لكي يصلوا إلى القراء.

ويقول الباحثون إن وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت جعلت من إمكانية وصول الشركات المعلنة إلى القراء عملية سهلة وأقل تكلفة من أي وقت مضى. ويوضح ألترمان أنه في حين كانت الصحافة التقليدية تصارع من أجل التحول الرقمي، ظهرت شركات عملاقة مثل غوغل وفيسبوك واستحوذت على النسبة الأكبر من ميزانية الإعلانات قبل أن تتمكن الصحف اليومية من التقاط أنفاسها والتكيف مع العالم الجديد، واستحوذ فيسبوك مع غوغل على 76 بالمئة من مجموع الإعلانات الرقمية في العام الماضي.

ومنذ وقت طويل، شكلت مواقع التواصل الاجتماعي وخصوصا فيسبوك فرصة للصحف والمواقع الإلكترونية الجدية فرصة للوصول إلى القراء بتكلفة معقولة نسبيا، ولكن إعلان فيسبوك الأسبوع الماضي عن تغييرات كبيرة في أسلوب عرضه لحائط الأخبار “نيوزفيد” شكل ضربة إضافية للناشرين بشكل عام والصحف اليومية بشكل خاص، حيث سيعطي فيسبوك الأولوية في الأخبار المعروضة لمشاركات الأصدقاء على حساب مشاركات الشركات مثل الصحف وغيرها.

اريك آلترمين: بقاء ديمقراطية الولايات المتحدة يعتمد على الصحافة الجدية المهنية
اريك آلترمين: بقاء ديمقراطية الولايات المتحدة يعتمد على الصحافة الجدية المهنية

ويقول بيت باتشال من موقع ماشابل، إن هذا التغيير سيزيد من الضغط على المواقع الإلكترونية لكي تعتني أكثر بإنتاج محتوى قابل للمشاركة من قبل المستخدمين، مما قد يجعل الصحف تلجأ إلى كتابة وتحرير المقالات الترفيهية والمنوعات لأنها تحصل على تفاعل أكبر من المقالات الجدية من قبل القراء، إذ أن فيسبوك سيقوم بإظهار المقالات التي يتفاعل معها القراء ويهمل غيرها.

وعلق إريك ألترمان على الخسارات المتتالية التي تعاني منها الصحافة الجدية، بالقول إنه على الجميع أن يقلق بسبب هذه الخسارات لأن بقاء ديمقراطية الولايات المتحدة يعتمد على الصحافة الجدية والتقارير الإعلامية المهنية.

وألترمان ليس الخبير الوحيد الذي يخشى من تداعيات فقدان الصحافة التقليدية، إذ أن وورين بافيت ثالث أغنى رجل في العالم ويملك العشرات من الصحف اليومية والأسبوعية في الولايات المتحدة، عبّر عن قلقه الشديد من التراجع الخطير في عدد القراء ودخل الإعلانات اللذين تعاني منهما الصحف المطبوعة. وفي تصريح لصحيفة “يو إس إيه تودي”، يقول بوفت “حتى الآن لم نتمكن من بناء ‘النموذج الاقتصادي’ الذي يكفل استمرار الصحف اليومية”، ويضيف بافيت، الذي مازال يقرأ خمس صحف مطبوعة يوميا، “لن أتخلى أو أبيع أي من الصحف التي أملكها حتى لو كنت آخر رجل بقي صامدا وواقفا في ساحة الإعلام”.

وتشير التقارير إلى أن وورين بافيت، العقل الاقتصادي الأهم في العالم، قام بشراء صحف ودور نشر جديدة.

ويقول ريم ريندير في تقريره لصحيفة “يو إس إيه توداي” الشهر الماضي، إن وورين بافيت ليس ساذجا وكل عملية استثمار وشراء للصحف يقوم بها عن وعي كامل، وأن النموذج الاقتصادي الذي يحاول بافيت تطويره هو كيفية الاستحواذ على نسبة أكبر من دخل الإعلانات عن طريق تطوير خلطة إعلامية فريدة تدمج الصحافة المطبوعة مع الصحافة الرقمية. ويضيف أن بافيت يؤمن بأن الصحف اليومية إذا أرادت أن تنجح وتستمر في البقاء عليها أن تتحول إلى صحافة لا يمكن الاستغناء عنها من خلال تزويد القراء بمحتوى ومعلومات لا يمكنهم الحصول عليها من أي مكان آخر.

LEAVE A REPLY